4–⁦6⁩ من الدقائق

to read

يوسف عليه السلام

في قصة يوسف عليه السلام تتعدد الحيل، ويستخدم الله سبحانه وتعالى لفظ “الكيد” عدة مرات في السورة، مما يجعلنا نرى حضور فكرة “الكيد” فيه فصولها المتنوعة، “سواء كيد إخوة يوسف، أو كيد يعقوب عليه السلام، أو كيد امرأة العزيز، أو كيد يوسف عليه السلام،

تبدأ القصة برؤيا صادقة ليوسف عليه السلام، “إذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ” )يوسف: 4)، فما كان من أبيه يعقوب عليه السلام إلا أن يحذره من كيد إخوته إن قص عليهم الرؤيا، “قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” )يوسف: 5)، وهنا نجد إشارتين للكيد، أول إشارة إلى يوسف عليه السلام  ألا يحكي الرؤيا، أي إخفاء الأمر، والإشارة الثانية أن إخوته لديهم القدرة على الكيد، ولكنه كيد شر من وسوسة الشيطان، إن الشيطان للإنسان عدو مبين.

ثم يبدأ كيد إخوة يوسف بطرح خيارات التخلص منه ليخل لهم وجه أبيهم، فكانت الأفكار بين قتله أو طرحه أرضاً، أي إبعاده في مكان آخر، ثم كان الاتفاق على رميه في البئر.

ولينفذوا هذا الأمر لجأوا أيضاً إلى حيلة أخذه ليلعب معه، متعهدين بحفظه، ثم جاءوا أباهم يبكون ليحموا الحيلة، وجاءوا على قميصه بدم كذب ليقنعوا أباهم أن الذئب قد أكله.

ثم يأتي المشهد التالي للكيد من قبل امرأة العزيز، حين راودته وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، فأبى عليه السلام، ثم حولت المشهد بمراوغة سريعة لصالحها حين ألفت سيدها لدى الباب، “قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ” )يوسف: 25)، وحين شهد الشاهد من أهلها لم يخل أيضاً حكمه من دهاء، “إن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ” (يوسف:26)، وحين ظهرت براءة يوسف عليه السلام شهد العزيز بكيد امرأته، “فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ” )يوسف: 28)

لم يهدأ كيد امرأة العزيز، فحين سمعت بتلاسن نسوة المدينة عليها، قائلين امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، واتهمنها بالضلال المبين، لم ترد التهمة بالكلام، بل بكيد جديد، ينتهي بذهولهم وفخرها أمامهم، فذلكن الذي لمتنني فيه، “فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (يوسف: 31)

وحين سُجن يوسف، وطلب العزيز إحضاره بعد أن فسر رؤياه ووضع تصور إدارة المجاعة، لم يسرع إلى تلبية الطلب، واستثمر حاجة العزيز له فاشترط إظهار براءته، “وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ” (يوسف: 50)، لينتهي كيد امرأة العزيز باعترافها بذلك الكيد، وأن الله لم يبارك هذا الكيد، “ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ “(يوسف: 52).

وحين بدأت المجاعة، وجاءه إخوة يوسف، بدأ كيده طالباً أن يأتوه بأخيه الذي لم يأت معهم، فهو العادل الذي لا يؤتي نصيباً إلا لمن حضر، “فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ(يوسف: 60)، بحيث لا يثير شكوكهم حوله، ولإحكام الأمر أعاد لهم ثمن الطعام الذي دفعوه ليتأكد لأبيهم أنهم بالفعل لم يتمكنوا من إحضار الطعام، “وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ “(يوسف: 62-63)، وبالفعل أعطاهم بهذه الحيلة سبباً مقنعاً لأبيهم، “وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ(يوسف:65).

هنا يأتي كيد يعقوب عليه السلام، موجهاً أبناءه ألا يدخلوا مصر من باب واحد خوفاً عليهم، “وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ” (يوسف: 67)

ثم بدأت المكيدة الكبرى، والتي فصل القرآن طريقة تنفيذها ليبقي يوسف عليه السلام أخاه معه، فوضع الإناء أو المكيال في متاع أخيه، ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون، نفوا أن يكونوا سارقين، فأراد أن يقروا هم الجزاء في حالة تبين أنهم سارقين، فأقروا العقوبة التي كانت تطبق في هذا الوقت، أن يكون الشخص السارق ملك لصاحب الشيء المسروق،” قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ” (يوسف: 75)، ولم يبدأ التفتيش بوعاء أخيه حتى لا يثير شبهة إخوته بمعرفته المسبقة بالسارق، ولكنه بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، ثم استخرجها من وعاء أخيه.

هنا يأتي قول الله ““كذلك كدنا ليوسف”، ويمكن أن يؤخذ المعنى بعمومه في كل القصة، بداية من ردود فعل إخوته، إلى حيلة يوسف عليه السلام، إلى نجاح الحيلة، يمكن رؤية كل ذلك في قوله تعالى “كدنا ليوسف“، أي أن الكيد هنا يشمل كل الأطراف وردود أفعالها بما فيهم أبيه يعقوب عليه السلام وموافقته إرسال ابنه ليوسف عليه السلام، فهو ليس مقتصراً على كيد يوسف عليه السلام.

ويتوج الله هذا الكيد بقوله تعالى: “فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (يوسف: 76)، فالله يرفع درجات من يشاء بالعلم وبإلهامه سبل تحقيق هذا العلم.

لم يتعجل يوسف عليه السلام في إعلامهم بهويته الحقيقة، حتى بالرغم من استفزازهم إياه بقولهم، إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فيبدو أن التوقيت لم يكن قد أتى بعد. والاستفزاز لا يبرر الاستعجال.

أرادوا أن يأخذ أحدهم بدلاً من أخيه، لأنهم أخذوا عهداً على والدهم ألا يعودوا بدونه، حينها حاججهم بعدله، وبالعمل في إطار القوانين أو القواعد المتعارف عليها حينها، “قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُون (يوسف: 79).

وتستمر قصة يوسف عليه السلام إلى أن عاد إليه إخوته مجدداً يشكونه الضر الذي نزل بهم، حينها أعلمهم بهويته، وتحققت رؤياه.

هكذا ومن خلال هذا الاستعراض السريع نجد مصطلح الكيد يتكرر إما تصريحاً أو تلميحاً من خلال التفاصيل، كما أن السورة ترسم لنا تصوراً عن طبيعة الوسط الذي عاشه يوسف عليه السلام، وهو وسط المكائد والحيل ممن كانوا حوله، حتى أقرب الناس له طاله كيدهم، فأيد الله نبيه ونصره بجنس ما كان يفعله من يمكرون به، من فنون الدهاء والحيلة، سواء كان ذلك ملكة حباهاً الله لنبيه أو توجيهاً سماوياً مباشراً في كل خطوة.

وائل عادل

أضف تعليق