“إن من أسباب صعود الشر، أن الطيبين لا يحركون ساكناً”، أتذكر معنى هذه العبارة في مقدمة أحد الأفلام، وتعود تطرق مسامعي كلما عشت أو شاهدت موقفاً، لم يتم الاكتراث بمن يشير للخطأ فيه، أو يطلب نصرة، كنت أتوقع أن الطيبين يسرعون لتلبية النداء، ويبحثون عن مكمن الخطأ، ويتحرون عن الظلم الواقع، سعياً لنصرة الحق كحق، بغض النظر عمن سيؤخذ له أو يُنتزع منه، لكن شيئاً من ذلك لا يحدث، فنصرة الحق أو على الأقل توضيحه لها شروط، فهل لذلك علاقة بحماية الشخص المخطيء؟ أم بحماية الخطأ ذاته؟ أم جماية الشيطان الذي يقف وراءه؟!
والطيبون غالباً لا يربدون الدفاع عن الشيطان، لكنهم يفعلون ذلك دون أن يشعروا، بمحو آثار حوافره من الطريق، وإسكات كل صرخة قبل أن ينتشر صداها، هم يمحونها، أو يخففون وضوحها، أو يعيدون تسميتها بطيب نية، رغم أن الأصل أن نرى خطوات الشيطان، حتى لا نتبعها.
مفهوم أن يشفق الطيبون على أصحابهم، وأن يحاولوا حمايتهم أحياناً، لكن هل دروا أن حبهم لأصحابهم يقتضي ألا يُترك لشرور أنفسهم أو شياطينيهم العنان؟! لذلك حين نصمت على الخطـأ لا نحمي أصدقاءنا فحسب، بل نحمي من ورائهم الشيطان الذي سول لهم. فهل يمكن أن نرحم أصحابنا دون أن نرحم شياطبنهم؟
نحن لا نقولها صراحة، “سأكون اليوم درعاً للشيطان”، أو “سأكون اليوم حارساً للباطل”، لا تقولها هكذا صراحة، ولكننا نمارس مقتضيات ذلك خطوة خطوة، فتقودنا تلك الخطوات إلى الانحراف عن مسار إيقاف الخطأ، والأخطر، أن هذا المسار في بداياته يبدو إنسانياً، حكيماً، عادلاً. ثم تكون النتيجة الكارثية.
وحين تجعل من نفسك درعاً للشيطان؛ فعادة لا تفعل ذلك دفعة واحدة، بل عبر سلسلة خطوات، تبدأ بشعور يبدو صريحاً، وتنتهي باستماتة في الدفاع عن الشيطان، لسان الحال “نحري دون نحره”.
الشعور
تبدأ الخطوات عادة من موقف يحدث، شخص يُغتاب، أو يُهاجم، أو يُفترى عليه، أياً ما كان الموقف، فيتحرك داخلك شعور أولي، “لعله يُظلم”، “لا ينبفي أن يُعامل هكذا”، وهذا في حد ذاته من بقايا العدل والحق في القلب. لكن هل تستكمل الحطوات السليمة؟
تفسير منحاز
بعد ذلك لا يتم التحقيق في المشكلة، وهنا تظهر بوادر تصنيع الدرع الذي يحمي الخطأ ومن ورائه الشيطان، فبدلاً من التحري والوقوف على حقيقة المشكلة قدر الإمكان، يتم القفز إلى تفسير يصب في صالح الخطأ، يعتمد التجاهل والتبرير، “لعله لم يكن بقصد”، “كان تحت ضغط”، “الطرف الآخر لديه مشاكل في الفهم”، ورغم أن كل هذه التفسيرات قد تكون سليمة، لكنها يقترض أن تكون نتيجة التحقيق لا مقدماته، فلم يعد البحث عن الحقيقة هو الغالب، ولكن البحث عن مخرج للخطأ، وتقديم طوق النجاة له قبل أن يظهر أكثر، والشيطان ليس بحاجة إلى إقناعك بالوقوف في صف الحطأ مباشرة|، يكفي أن يقنعك أن المخطيء طيب، وأن الخطأ ” شيء تفصيلي بسيط”، هكذا يبدأ الانحراف، تفسير بسيط لخطأ كبير أو ربما يكبر لاحقاً
اتخاذ موقف
بعد ذلك يتحول ذلك الشعور، إلى ميل وانحياز، فيبدأ التهوين من الخطأ، وربما إعادة توصيفه، ثم يقارن بأخطاء الآخرين، من خلال عبارات مثل “الجميع يخطيء”، هنا تبدأ بذور الدفاع، وكأن الدرع أصبح جاهزاً للاستخدام.
إهل تعلم أن التفكير الجاد إن كان هناك خطأ فيه حماية لك؟ فالشيطان قد لا يريدك أن تكذب، لكنه
يريدك ألا تفهم، وإن فهمت، فلا بأس بفهم يخفف من حدة الخطأ، ومع الوقت لن تراه خطأ، فقد قمت بإعادة تعريف الخطأ. لذلك فكل دعوة في الحياة لمجابهة الخطأ هي دعوة لليقظة، قبل أن تتحول إلى إنسان يشوش على الخطأ بدعوى الفهم..
الدفاع
ثم يبدأ الدفاع الإيجابي حين يشير أحدهم للخطأ، وهذه هي نقطة التحول الحقيقي، فترد على صاحب الشكوى، “ليس بهذه البساطة”، “الأمور أعقد”، “أنت تبالغ”، “فلتنظر إلى الجوانب الأخرى”، ولكن صاحب المشكلة يريد علاج الخطأ فضلاً عن الاعتراف به، لا إيقاف الجوانب الإيجابية الأخرى، هنا تبدأ الجريمة، حماية الخطأ والحيلولة دون أن يظهر بوضوح، وإن صرخ صاحب الشكوى، فيتحول صراخه إلى سلاح ضده، لابد أن رد فعله هذا يعكس أزمة داخلية، ويبدأ التركيز على الصرخة ودلالاتها، لغتها، نبرتها، قوة صوتها، فتتحول الصرخة إلى موضوع، وننسى الخطأ. وهكذا يتم حماية الخطأ بدعوى الحكمة أو العدل. إنها لحظة عصيبة مفصلية، من أخطر اللحظات، حين لا يزعجك الخطأ، ولكنك تنزعج ممن يراه.
والخطر في ذلك أنك تدافع عن الخطأ وأنت لا تشعر، فلو دافعت عنه وأنت منحاز له فهذا المقال ليس لك، لكن الأزمة أنك تدافع عنه وأنت تظن أنك منصف، ومتزن، وربما صاحب مبدأ. بينما واقعياً أنت درع صلب بحول حتى دون وصول شعاع الضوء إلى الخطأ ليراه الآخرون، فضلاً عن مقاومة مصدر النور ورميه بالسهام.
وقد يأخذ الدفاع شكلاً سلبياً، فأنت لا تتحدث عن الحطأ، وتصمت عنه حين يُنتثد، فهل تدري أن هذا الصمت المتكرر ليس حياداً؟! إنه اصطفاف غير معلن.
لماذا يفدي الإنسان الشيطان؟
وقد يفدي الإنسان الشيطان ويصنع من نفسه درعاً له، بسبب علاقة خاصة مع الشخص المخطيء، فهو يظن أنه يحميه، وما درى أنه يحمي شيطانه من الانكشاف، فضلاً عن إجهاض عمله، فيتحول الإنسان إلى درع أعمى، ربما لعاطفة تجاه الشخص المخطيء، أو فائدة تعود عليه منه، أو شر يريد تجنبه، وربما نفور من الشخص صاحب الشكوى، أو طبيعة شخصية تكره الصدام والمواجهة، وتظن أن الدبلوماسية دائماً حلاً، وربما رغبة شخصية في الظهور كشخص حكيم متوازن، أو متبتل متعالى على سفاسف الحياة، وهذه الدوافع منها ما هو متفهم بل قد يكون سليماً في مواقف، لكنها ليست المواقف التي يجب أن يظهر فيها الحق أولاً قبل الحديث عن كيفية التعامل معه، وهؤلاء غالباً يخشون ما يترتب على ظهور الحق، لذلك يمنعون حدوث هذا الإجراء من الأساس.
وفي النهاية ما يحدث أن الخطأ لا ينتهي عند حادثة، فهذا الدرع أعطى للشيطان براحاً أن يمرح، وأن يمد المخطيء في طغيانه، فيتمدد الخطأ ولا ينحسر، فقد أمن الشيطان الانكشاف بسبب ذلك الدرع العظيم، ظاهره الرحمة والحكمة، وباطنه العذاب وغياب الحق.
لذلك لا يتوقف الخطأ عند حدث، بل تتم مباركته أو التستر عليه، ويتوقف الناس عن رؤية الخطأ، ليس لغيابه، ولكن لكثرة حراسه من الطيبين، الذين يعملون كمصدات يخففون من حدته، ويبررونه، بل وقد يهاجمون من يكشفه، وهنا يبدأ رسمياً دعم الباطل، أما الحيلة الشيطانية أنه يُدافع عنه باسم الحكمة.
المخرج
إن المخرج هنا لمن كان له قلب أن يتعامل مع الخطأ ككائن مستقل عن صاحبه، مطلوب أن يعرف الناس أولاً أن الكذب على سبيل المثال قد تم دون شك، وأنه غير مرحب به تماماً، أما كيفية التعامل مع الكذاب فهذا موقف آخر يكون بعد التحقيق ورؤية الملابسات، فالنظر إلى الشكوى يجب أن يكون قبل النظر إلى المشتَكِي والمشتَكَى منه، حين نضع على عاتقنا أن تظهر الحقيقة، لا أن نجعلها عملية صعبة يدان فيها من يسعى فيها، فضلاً عن صاحبها.
في هذه السلسلة “حتى لا تكون درعاً للشيطان”، سنتابع بالتفصيل كيف يتعامل الطيبون مع المظالم أو الأخطاء فيما بينهم، وموقفهم من الانتصار للحق، وهي ليست دعوة للتجرد من الرحمة، بل دعوة لأن يقوم الناس بالقسط، قبل أن يتحولوا إلى حماة للظلم، ودرع للشيطان.
وائل عادل
19-04-2026
جميع حلقات السلسلة


أضف تعليق